فترات الركود في عمر الصراعات


فترات الركود في عمر الصراعات

فترات الركود في عمر الصراعات


فترات الركود في عمر الصراعات

«بعد 500 عام، سيكون عليك إذا احتجت أن ترى الإسلام الحقيقي، أن تغادر دمشق وبغداد، وتزور بلاد التتار!».. تخيل لو أنك بادرت مزارعا بسيطا في حدائق بغداد المحترقة، لحظة دخول المغول حاضرة الدولة العبَّاسيَّة وعاصمة الخلافة، بهذه العبارة!

اليوم، المسلمون التتر لا يدينون بالإسلام وحسب، بل إنهم يبذلون أقصى جهد ليحافظوا على هويتهم الإسلامية، في مواجهة كل عمليات التغريب الروسي.. يفعل هؤلاء هذا، وهم يعرفون أن بينهم من قد يكون حفيد هولاكو الذي دمر بغداد وأباد مُعظم سُكَّانها -المسلمين!

بغداد! يحدث هذا كله، وبغداد لم تعد حاضرة، المسلمين ولا التتار، ودمشق تصراع من أجل البقاء كافرة أو مسلمة، وقطز في القاهرة يقف على عتبات النيابة في انتظار تجديد حبسه.. هكذا صار الإسلام غريبا هنا، وحاضرا هناك!.. هكذا صارت القرم وما حولها آخر بقعة قد تجد فيها فطرة المسلمين النقية الأولى!

• فترات الركود:

نعود للمزارع البغدادي من جديد، أخبرك مفاجأة؟ الرجل فعلا كان بإمكانه أن يصدق زعمك بأن هذا كله سيحدث، ما دمت قد أخبرته بذلك في الأيام الأولى لدخول التتار.. لكن الغريب أنه تصديقه هذا كان سيضعف بعد أشهر من الدمار المستمر والغلبة التترية القاهرة، إلى أن يتلاشى تماما.

هنا المشكلة.. في كل صراع بشري، تأتي مرحلة وسطى مقطوعة الأحداث والتفاصيل، تنزع اتصال القصة وتبتر سيرها، يكون الصراع فيها مجمدًا، يُخيل للرائي وكأن طرفا -ويكون طرف الشر غالبا- قد حسمها بقوة الواقع، وأن «الله» قد غاب عن نصرة عباده!

تلك الفترة من عمر الصراعات هي الأخطر على الإطلاق، إذ فيها يحصل كل التغيرات النفسية والفكرية، يكفر أُناس بمبدأ صراعهم، ويتخلى آخرون عن الطريق، وييأس الكثير من عودة الزخم، فكيف بالحسم والانتصار!

• الركود القصصي في القرآن:

القرآن كان حاضرا جدا في تأصيل مسألة الركود في الاتصال الصراعي، لن نخوض في سرد الأمثلة المتعددة على ذلك التأصيل، وإنما سنكتفى بمثال واحد، ولن يعدم الباحث وسيلة لإيجاد عشرات المناظرات، بل إنه من الصعب أن تجد قصة قرآنية واحدة متصلة الأحداث دون انقطاع.

في سورة هود، بدأت أحداث قصة نبي الله موسى عليه السلام في الآية 96: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ).. تستمر القصة دون انقطاع حتى الآية 99: (وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ لَعْنَةً..).. ثم فجأة، تنقطع أحداث القصة ويعود الزمن إلى عصر قريش، حيث محمد عليه الصلاة والسلام.

يغيب فرعون وموسى ويحضر يوم القيامة وما ينتظر الظالمين فيه، بلغة خطابية موجهة إلى النبي وقومه، وهكذا حتى الآية: 109 : (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ).

تسع آيات كاملات تكسر اتصال القصة وسرديتها.. قبل أن تعود فجأة قصة موسى للاستكمال في الآية 110: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ)! .. ما الحكمة في هذا الانقطاع؟ لماذا لم يتأخر الحديث حول القيامة إلى ما بعد انتهاء قصة موسى كاملة؟ ما الذي يريد القرآن أن يوصله لنا عبر هذا الشق الكبير في اتصال البناء القصصي؟

• متى نصر الله؟

غياب إدراك الأجيال بحقيقة مرحلة الركود التي تمر بها الأمة الآن يقود كثير منهم لفقدان الثقة -قبل الأمل- في مجئ يوم يُحسم فيه الصراع، ففقدان الزخم يُضعف الحضور، وضعف الحضور يقتل الثقة، وغياب الثقة يُسقط الانتماء.

إن الأمة كلها الآن في حالة ركود تام، سواء في حسم صراعاتها الجزئية في مناطق النزاع، أو حتى في صراعها الأممي الكبير، لا شيء يُحسم، بعض الصراعات ماتت تماما، من يمكن أن يتذكر هذه الأيام بلاد الأندلس مثلا!.. لا بأس بنسيان الأندلس، من يتذكر فلسطين!.. القضايا راكدة، لا تتحرك، هكذا يظنها الشباب ميتة، وهنا تكون المخادعة!

زينب المهدي كانت صريحة للغاية في بلورة هذا المعنى حين كتبت رسالتها الأخيرة: تعبت .. استهلكت .. ومفيش فايدة .. كلهم ولاد كلب .. وإحنا بنفحت في ماية .. مافيش قانون خالص هيجيب حق حد .. مفيش عدل .. ومفيش أي نصر جاي .. بس بنضحك ع نفسنا عشان نعرف نعيش

كثير من الشباب يتحدث الآن بوثوق عن انتهاء الصراع إلى صالح من يسيطر على الأمور، طول فترة الأحداث الراكدة هو السبب الرئيس لهذا، ركود يجعل من الصعب على أذهان الكثير تخيل أن الأمور ستعود للثورة من جديد، وسيعود الزخم فجأة بإنذار أو دون سابقة.

• الخلاص:

الآن، الذي يجب أن يكون حاضرا في أذهان أصحاب الصراعات أن يدركوا طبيعة المرحلة التي يمرون بها، قدرنا أن نعيش في مرحلة بلا هوية من عمر الصراع، ربما سنعيش ونموت بلا أي حسم، لكن التاريخ لن يتوقف، والمعادلة ستستمر، وقدر الله نافذ.

هذه حقيقة التاريخ، وهي الحكمة التي أراد القرآن تأصيلها من قصصه الطويل، (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)، هو تصديق للوعد وتثبيت للفؤاد، (كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ)، فكلمات الله لا تتبدل، (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتٰهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمٰتِ اللهِ)، ومن أوفى بعده من الله (حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ).


رابط مختصر للتدوينة:
الكاتب: عمار مطاوع
صحفي مصري من مواليد عام 1990، مهتم بالتقنية وتطوير الذات.