عباس الضوّ بيقول نعم!


قبل سنوات الربيع العربي، كانت ضريبة تبني مواقف واضحة متحيزة حيال أي حدث تبدو كبيرة وغالية، كانت كلمة لا في وجه نظام حاكم أو ظاهرة اجتماعية تستطلب شجاعة فائقة، وكانت القدرة على بناء رؤية مميِزة تدعم طرفا معلوما في معادلة، أمرا يتطلب وعيا وإقداما كبيرا.

في أول الرحلة، لم يتخلّف جيلنا عن التفاعل مع الأحداث بشكل طبيعي، فانقسمنا -أبناء الربيع العربي- إلى دعم كتل صلبة معروفة، إسلامية وعلمانية، وأصبح من السهل أن تصنف اتجاه أي شاب ربيعي (نسبة للربيع العربي) فور زيارة منصته الخاصة على هذا الموقع أو ذاك.

راهن جيلنا كثيرا على كيانات وتيارات مختلفة التوجهات والأفكار، لكن سرعان ما خذلتنا -كلها- مخلِّفة خيبة أمل كبيرة، ثم كانت الفاجعة الأكبر حين لم نجنِ من تلك المراهنات سوى دفع ضريبة مواقف أصحابها، مواقفهم التي لم نكن جزءا من تشكيلها؛ حتى أصبحت خياراتنا بالأمس عبئا يحاول كلٌ منا أن يخلعه عن نفسه في كل مناسبة كيلا يعيّر بها.

أورثت تلك التجربة عند أغلب نخبة جيلنا خوفا من المراهنة على أحد من جديد، أصبح صعبا على أكثرنا أن يثق بطرف معادلة ليس مطلعا على كافة كواليس تشكيل قراراه.. هذا أمر إيجابي وعظيم، لكن التمادي فيه يحوّله من حاسة إلى حساسية.

الآن، يقف أغلب جيلنا متشككا حيال أي صراع في المنطقة والعالم، ويرى كل الأطراف فيها لا تستحق الرهان، ويجتهد في استدعاء ما يجعل كل طرف كالآخر، فهو يعلم أن ضريبة دعم طرف على حساب آخر ستكون غالية، ويعلم أيضا أن "لا" هذه المرة ستحفظ له هيبة نخبويته.

الأمر مغرٍ في الحقيقة، فكر معي، ما الذي ستخسره حين تقول إنك لا تحب ميسي ولا تحب كريستيانو؟ ما أسهل أن تبحث عن سقطات كل منهما -حتى لو لم يكن لها علاقة بكرة القدم- لتقنع نفسك ومن حولك أن كل منهما أسوأ من الآخر.. بل والأكثر إغراءً أنك على الأرجح ستكسب لقب المحلل الرياضي القدير صاحب النظرة المغايرة عن ألتراس هذا اللاعب أوذاك.

ما الذي ستخسره حين تقول إنك ضد قطر والسعودية في صراعهما الأخير حول النفوذ؟ ضدهما معا على السواء.. ما الذي ستخسره حين تقف ضد تركيا أردوغان وضد أوروبا ميركل في صراعهما حول سيادة الاتحاد الأوروبي؟ أيضا ضدهما معا على السواء، أليست ميركل لا تنظر إلا إلى مصلحتها، وأردوغان سياسي براجماتي أيضا، أليس كلا الطرفين يسعى لمكتسباته؟

انظر كم الأمر سهل ويحفظ لك كاريزما النخبوية، وحضور المثقف؟ أنت لم تراهن على أحد، ولم تتحيز إلى فئة، وبالتالي فلن يستطيع أحد بعد أن يزايد عليك أو أن يجبرك على خوض معركة الدفاع عن اختيار.. في الحقيقة أنت لم تختر شيئا من الأساس كي تدافع عنه!

للصدمة، فإن ما وصلنا إليه لا يختلف كثيرا عن الجيل العجوز الذي ندعي مغايرة نهجه، فظاهرة "كلهم ولاد كلب" هي بعينها ما نفعله الآن.. نجتهد في كل صراع كي نجعل الحياد موقف الأصحاء المترفعين عن أن يكونوا ضمن قطيع، وأننا -بالحياد والتشكك- نضع أنفسنا فوق الصراعات نفسها، نقف في زاوية حكم الراية.

ربما لم يكن عباس الضو بحاجة لكل تلك الصرخات التي أطلقها مع هذا العرق المبالغ فيه وكل هذا النهجان، كي يقول لا.. فـ "لا" هذه الأيام هي بر الأمان، والوقوف على زاوية المتفرج في كل صراع أضحى يُعفي صاحبه من دفع ضريبة اتخاذ المواقف، بل ويجعل صاحبه النخبوي المثقف في موضع طلب الإقناع والنقاش، ويحفظ له حق العودة للمشهد السياسي والاجتماعي في الوقت الذي يحدده هو، لا الأحداث، دون التلوث بروث المعارك الصعبة والأوقات الحرجة.

غاب عن كثير من نخبة جيلنا أن فرقا كبيرا بين أن تتحيز إلى فئة في صراع، وبين المنهج الشخصي الخاص، وإذا كان الناس لا يفهمون هذا أيضا، فإن الجهاد الحقيقي يجب أن يكون في ترسيخ هذا الفارق وفرضه، لا بالاستسلام له والتزام الحياد المتشكك الذي لا يعدو كونه نوع من التجابن المقنع.

إن النأي بالنفس عن كل صراع والتخفي حول لافتة "كلهم ولاد كلب"، ما هو إلا تراجع عن غاية الربيع العربي وثورات شبابه، تلك الثورات التي دُفعت فيها أثمان غالية كي تفرض خلاصة واضحة، وهي أن جيلنا لن يقبل أن يكون ظلا، وأنه قادر على أن يدلو بدلوه في الدلاء، دون خوف من مخاطرة الاختيار ولا ضريبة التجربة.

في نهاية الرحلة، صارت "نعم" هي الأصعب، هي الأجدر بالتفكير والتروي، هي التي يُدفع بعدها ثمن الإقدام، ويضطر صاحبها إلى القتال إلى جوار، والتحيز إلى كيان، وخوض تبعات الدفاع والهجوم، في النهاية صارت "نعم" هي التي تحتاج وعيا وثقافة وحضورا ومتابعة.. وشجاعة أيضًا.

مقالات حرة

شعر وأدب

بحوث

كتابات حرة

شركاء المذبحة

مشروع توثيق

ملف البنات

 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 مدونة عمار مطاوع

تصميم: Templateism