حياتك لم تبدأ بعد!


بدا المُحاضر واثقا وهو يستعرض أمام طلاب السنة الجامعية الأخيرة تجارب النجباء في بناء سيرتهم، وكيف أن نجاحهم لم يكن صدفة على الإطلاق، وأن شغفهم استقر معهم في المهد، والرحلة بدأت منذ صرخات الميلاد، وخطة الوصول كانت مرسومة منذ تشكل الوعي والإدراك.

لم يفسر لنا المحاضر كيف انتقلت محطات حياته بتلك العبثية الواضحة من استعراض سيرته أول اللقاء، أو كيف يحاضرنا عن التخطيط للنجاح وهو -حسب نظريته- قد فشل في رسم منحنى حياته كالعظماء الذين استدعاهم؟

أن تخطط لحياتك يوما بيوم، أن تصل إلى وجهتك بخطوات وثوق، أن تستعرض قصص الناجحين عبر التاريخ في قالب يضعهم في سياق كائنات خارجة عن التفاعلات، وكأنهم قطعوا مشوار نجاحهم منذ اليوم الأول برؤية واضحة.. كلها كذبات كانت سببا في تدمير حياة كثير من الشباب.

تلك الكذبات لا تسيطر فقط على المتحدثين النجباء، وإنما تتردد بصدى واسع لدى عوام الناس.. ألم تسمع ذات يوم أن "اللي ذاكر ذاكر من زمان"، وأن "اللي فيه داء ما بيسيبوش"، وإن "عمر ديل الكلب ما يتعدل"؟ ما تلك الأمثال سوى استجابة لتلك النظرية.. لا فرصة للتغيّر.

إن أهم ما يميز الإنسان عن الآلة هو التفاعلية وغياب التكويد، الحديث عن وضع بطاقة تسيير للإنسان تحوِّله إلى آلة صماء.. غريب أن تخوض حوارية تسعى في نهايتها لتثبت أن الإنسان كائن لا يقبل أكواد البرمجة!

أزعم أن حياتي كانت لتكون أفضل كثيرا لو لم تدخلها تلك الفكرة الخبيثة، حياة والدي أيضا، كل صديق أسمع حكايته، كلنا أسرى لها.. من الصعب جدا أن يقتنع من جاوزت روحه مراحل البدايات أن الانطلاقة من جديد لا تزال سانحة ممكنة، وأن الشغف لا يزال بكرا على أن يُعلن استسلامه.

قبل نحو ثلاث سنوات، كتبتْ فتاة دمشقية منشورا قالت فيه إنها ترى حياتها "تسير كما الراكب حين يجلس في القطار على كرسي يخالف اتجاه السير، لا يرى مشاهد الطريق إلا حين تكون قد عبرته، فلا يدرك منها شيئا سوى الندم على فقدانها.. ثم إنه في كل مرة يلاوم نفسه على ضياع فرصة، تكون أخرى في الطريق إلى الضياع.. وهكذا يضيع العمر في البكاء على ما مر دون لحاق".

ضاع من عمر الفتاة ثلاثون عاما قبل أن تدرك أنه "لا يدري الراكب أن كل ما يحتاج إليه هو أن يغير زاوية الجلوس".. أدركتها بعد أن كانت روحها غير قادرة على البدء من جديد، وتكالبت عليها هزات الطائرات والصواريخ إذ عاصرت زمن الحرب.. فكان كل ما حولها يدفها للاستسلام، ولتبق على كرسيها حتى تصل إلى محطة الوصول بأي هيئة كانت!

إن أكبر خدعة تم خداعنا بها هي تلك الصور والحكايات التي تُظهر أن الناجحين وضعوا هدف حياتهم الكبير منذ كانوا أطفالا، حتى حققوه ذات يوم.. الحياة لا تسير هكذا.. الحياة فرص وتحديات وتجارب.. يتشكل الشغف مع الوقت، وتتحدد القدرات مع الأيام، وتتغير الاتجاهات مع الحوادث.. ويجدد الإنسان ذاته وطموحه مع كل تجربة يخوضها.

حين تقود سيارة على طريق جديد، لا تستطيع أن تقرر أي الاتجاهين ستسلك عند مفترق الطرق، إلا حين تصل إلى المفترق فعلا، لأنك في الحقيقة -قبل أن تصل إليه- لم تكن لتعلم أنك ستواجه ذلك المفترق!.. هكذا تسير الحياة.. تحديات تصنع شخصيتنا وتجربتنا.. يوما بعد يوم.

أنت اليوم غيرك يوم أمس، والناجحون من حولك لم يحققوا شغفهم إلا قبل المحطة الأخيرة، ولم تكن إنجازاتهم إلا تتويجا لرحلة من التفاعلات والانتكاسات والبدايات الجديدة..

سام والتون، رجل الأعمال الأمريكي صاحب عملاقة البيع بالتجزئة وول مارت، أسسها في الرابعة والأربعين من عمره.. ستاربكس شركة المشروبات العملاقة أسسها جوردن بوكر في الخمسين من عمره.. حتى سلسلة المطاعم الأكثر شهرة في العالم، كنتاكي، لا نعرف مؤسسها إلا بلحيته البيضاء الكثة، إذ أسسها هارلاند ديفيد ساندرز بعد أن جاوز الستين من عمره.

غاية القول، لا تأس على نفسك في استحضار التيه وغياب الهدف.. لا تقارن نفسك بمن قطع شوطا أكبر منك، لسنا في سباق، إنها حياتك الخاصة وقصتك المفردة.. اجتهد في التخطيط والسعي لكن سر مع الحياة يوما بيوم.. وستصل إلى طموحك وشغفك يوما بعد يوم.

مقالات حرة

شعر وأدب

بحوث

كتابات حرة

شركاء المذبحة

مشروع توثيق

ملف البنات

 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 مدونة عمار مطاوع

تصميم: Templateism