صحفي مصري






مقالات حرة

شعر وأدب

بحوث

مدونةعمار مطاوع
صحفي مصري



تحولات فكرية في المنهجية المهنية


قبل عام واحد بالضبط، كنت على أعتاب انتقال خطير في حياتي المهنية، وهو السفر للعمل خارج البلاد، بعد رحلة للبحث عن شغف في العاصمة المصرية، رحلة أحفظ مراحلها خطوة خطوة.

بعد أيام من التخرج في الجامعة، كانت الخطوة الأولى في رحلة البحث عن الشغف والمجال، وأكذب حين أقول إنني كنت أفكر في المجال الصحفي وقتها، في الحقيقية، لم يدر بخلدي أبدا أن أعمل في مجال الصحافة، ولعل شهادات تدوينة ذاكرة الأوراق.. حياة ما قبل الجامعة  تكشف ذلك بوضوح.



المرحلة الأولى:
التيه في البحث عن شغف:


كالعادة، تبدأ رحلة خريجي دار العلوم دائما بالتدريس.. وهكذا عمِلتُ مدرسًا للمرحلة الثانوية (مدارس الملك فيصل بالهرم - بنات)، ومدرسًا للمرحلة الإعداداية (مدارس الملك فضل الحديثة بفيصل - بنين).

بعدها، تسببت أوراق الجيش في ابتعادي عن التدريس، في الحقيقة كانت تلك حجة مقنعة أمام والدي أخبئ خلفها السبب الحقيقي لرحيلي عن تلك المهنة، أنا لا أحب التدريس، لم أجد لنفسي حضورا فيها.

غادرتُ التدريس إلى مجال البحث العلمي والتصحيح اللغوي (مركز الدكتور محمد عبد الكريم بأكتوبر، ثم مركز أ.محمد مصطفى بفيصل).. وهنا، بدأتُ أقتنع بأن مجالا آخر غير التدريس قد أجد فيه نفسي.

هكذا، أحببت في البحث العلمي صياغاته واتساع أفق كتاباته، والقدرة على توظيف اللغة واستثمار تميزي فيها.. لكن البحث العلمي ممل، مقيِّد، يُلزمك بقواعد جامدة، فرص الإبداع فيه خاضعة لاجتنابل المحاذير.. لذا، كان البحث عن مجال جديد.

أثناء عملي في مركز أ.محمد مصطفى (الذي كان قدرا يعمل في جريدة الحرية والعدالة الحزبية المصرية التي كانت بالكاد قد انطلقت)، بدأتُ أفكر في مجال الصحافة. في الحقيقة، شغف والدي هو الذي شجعني، فلقد كان حريصا جدا على أن يعمل ابنه الأكبر في جريدة الحزب الذي ينتمي إليه، وكان يرى في ذلك افتخارا كبيرا، وتتويجا لرحلة تربيته لولده الكبير.

وهكذا، استأذنت صاحب دار البحث في أن يفتح لي مجالا في الجريدة كوقت إضافي بعد انتهاء الدوام.. الرجل وعدني بتنفيذ الأمر، لكن شريطة أن أُظهر له الكفاءة الكاملة في عمل المركز، وعندها ستكون مكافئتي هي الانتقال للعمل في الجريدة ليلا.

لم تدم تلك الخيالات طويلا، فسرعان ما تسبب دعمي للشيخ حازم أبو إسماعيل في الانتخابات الرئاسية في تصدع علاقتي بصاحب دار البحث (الذي كان مسؤولا في حملة المهندس خيرت الشاطر)، وعليه فقد تركت العمل في المركز، لتنهار أحلام الالتحاق بجريدة الحرية والعدالة.

انتقلتُ بعدها للعمل في الحملة الرسمية للشيخ حازم، في مدينة نصر، حيث سكنتُ في مقر الحملة الرسمي التابع لمنسقية العمل السياسي الإسلامي، حتى حصلت التحول الأكبر، وهو استبعاد الشيخ حازم من السباق الرئاسي، ليصبح وجود الحملة تنسيقي، لم أجد فيه ما يشجعني على البقاء والاستمرار.

صادف ذلك، أن جريدة الحرية والعدالة كانت على أعتاب إطلاق نسخة إلكترونية عبر موقعها الرسمي للصحيفة، في محاولة منها للدخول إلى عالم الصحف الإلكترونية الذي كان آخذا في الصعود في تلك الآونة.

وهكذا، اقترح عليّ زميل دراسة أن نتقدم إلى العمل بموقع الصحيفة: مصححين لغويين، فذهبنا إلى مقر الجريدة قبل أن نجتاز الاختبارات والمقابلات، لأجد نفسي أخيرًا ضمن فريق عمل الصحيفة، في أول احتكاك حقيقي لي بمجال العمل الصحفي منذ تخرجي.


المرحلة الثانية:
العمل الصحفي النظامي:


في صحيفة الحرية والعدالة، بدأت الرحلة في صالة التصحيح اللغوي، مما أتاح لي التعامل مع مختلف أشكال الصياغات الصحفية الجاهزة، حيث كنت أراجع مواد الزملاء قبل نشرها مباشرة في الموقع.

بعد فترة، توسعتُ في العمل الصحفي بالانتقال إلى قسم الإخراج والنشر، وهناك استغليت إتقاني للغة HTML التي كنت أستخدمها منذ الجامعة في تعديل مدونتي وتصميم قوالبها.

وفي هذا الموقع الجديد، تعلمتُ مهارات صحفية أخرى، كالصحافة المصورة والمرئية، فضلا عن ملامسة العلاقة بين التقنية والصحافة، والتي كانت وقتها صعبة الإدارك على كثير من المشتغلين التقليديين بالصحافة.

وهكذا استمرت الرحلة في تلك المؤسسة التي أحببت فيها العمل الصحفي، ووجدت فيها شغفي الحقيقي الذي انطلقت من الرحلة الجديدة في المجال الصحفي.. حتى كانت أحداث الثالث من يوليو، والتي ترتب عليها إغلاق مقر الصحيفة وتسريح جميع العاملين فيها.


المرحلة الثالثة:
العمل الصحفي عبر الإنترنت


مع إغلاق مقر الصحيفة، توقف تماما إصدار النسخ الورقية، ليصبح الاعتماد كليا على فريق عمل النسخة الإلكترونية، الذي كنت أحد منسوبيه.. ليتم نقلي إلى محرر شامل، أصيغ الأخبار وأحررها وأراجها لغويا وأنشرها مباشرة على لوحة الموقع.. وهكذا تحولنا فجأة من الفريق صاحب الأولوية الثانية إلى فريق الصدارة، الوحيد!

وهكذا، انتقل الفريق كله للعمل من المنزل، عبر الإنترنت، لكن بلا راتب أحيانا، وبراتب هزيل في أحيان أخرى، في ظل حالة مطاردة سياسية فرضت علينا زيادة نفقاتنا بين حاجاتنا الشخصية من طعام ومسكن وشراب، وحاجة العمل من وصلات إنترنت وأجهزة حاسوب.

وأمام تلك الحاجة المادية، انفتح أمامي باب جديد، بدأت خيوطه حين اقترح عليّ صديق أن أعمل في موقع إلكتروني آخر بجوار موقع الحزب، فأجمع بين العمل في مكانين في دوام واحد، فأحصل من أحدهما على الراتب، ومن الآخر على الممارسة الصحفية.

ولأن الإنسان شغوف بالزيادة دائما، فلم يتوقف الأمر عند موقع إضافي واحد.. لأجد نفسي بعد أشهر من بداية تلك المرحلة أعمل في 6 مواقع في وقت واحد، كلها عبر الإنترنت.

أذكر أنني كنت أعمل على مدار 16 ساعة يوميا، في 6 مواقع صحفية متنوعة، هي: الحرية والعدالة (إخباري - مصري)، وراء الأحداث (تقارير -مصري)، الدرر الشامية (إخباري - سوري)، الوطن اليوم (إخباري - مصري)، مباشر مصر (تقارير - مصري)، نبض النهضة (إخباري - مصري).

كنت أعمل في كل تلك المواقع في وقت واحد، وهذا ما ترك في أثرا كبيرا في مهاراتي التي تسارعت، وثقافتي التي تجاوزت القطر المصري، وخبرتي التي نمت كثيرا.. ونفسيتي أيضا.. تلك الأخيرة تضررتْ جدًا، حتى إنني خسرت خطيبتي التي لم تتحمل تلك النفسية الكئيبة المنغلقة على عملها.. كتبتُ عن ذلك مقالة منفصلة: خطيبتي المستقبلية.. هذا أنا.


وقفة قبل السفر:
المطاردة


تلك الفترة لم تكن مستقلة عن مرحلة العمل عبر الإنترنت، قد كانت جزءا منها، لكن كان لها من المتغيرات ما يجعلها تستحق أن يُفرد لها مساحة خاصة، ففي تلك المرحلة بدأت المطاردات الأمنية، وبدأ اسمي يتردد في أقبية الأمن، وكانت قاصمة الظهر هي اعتقال والدي بدلا عني.

وإثر ذلك، خرجت نهائيا من بلدتي، دسوق، بعد أن كان الهروب يتمثل في مغادرة البيت إلى بيت مجاور.. لكن لم يعد متاحا بعد اليوم أن أبقى في البلدة، فسافرت إلى القاهرة، معى حاسوبي وفلاشة إنترنت.

في تلك الظروف، جائتني فرص عدة للسفر، لكني كنت أبحث عن واحدة بصفات خاصة.. أولها: أن تكون ذات ارتباط وثيق بمهنة الصحافة، وأن تكون تأشيرة العمل بمسمى صحفي، حتى أطبعها على جواز سفري، فتكون تعويضا لائقا لمنعي من دخول النقابة، واعتمادا أكثر موثوقية ودولية.

ورغم أن أكثر من فرصة للعمل في السعودية صادفتني، لكن كان القاسم المشترك بينها جميعا هي أنها كانت في مجال التدريس.. أما الصحافة، فكانت قطر وتركيا أكثر البلاد انفتاحًا عليها، لذا لم يدر بخلدي أن أسافر للسعودية، صحفيا!


إرهاصات السفر
رحلة الخروج


في الحقيقة، كانت بداية الالتفات مع صحيفة تواصل، هو عرض قدمه لي أحد الزملاء للعمل معهم عبر الانترنت أيضا، لم تكن فكرة السفر وقتها قد استقرت، ولم تكن إلحاحاتها قد حاصرت الخيارات الأخرى.

وهكذا، أنجزت اختبار الصحيفة للعمل عبر الإنترنت في قسم السوشيال ميديا، لكن جائني في اليوم التالي مكالمة جديدة من إدارة الصحيفة: هل تحب أن تعمل محررا؟ أجبت بالإيجاب، فعملي الأساسي هو التحرير أصلا.

اجتزت الاختبار الثاني أيضا، ليبادرني مدير الصحيفة باتصال يعرض علي فيه السفر إلى المملكة والعمل عبر مكتبها في الرياض.. كانت الفرصة مباغتة للغاية، لم أستطع حسم موقفي، ولم تكن المغريات كافية، فقد كان العقد 4 سنوات، والراتب لا يزيد، والتأشيرة لم يتحدد مسماها.

وهكذا، رفضت في البداية فكرة السفر، لأسباب سياسية ومنهجية، حيث لم تكن وقتها الإرادة الأمنية قد وضعتني في دوائر الأولوية.. حتى تم اعتقال والدي ثاني مرة، وبدأت التهديدات والاستدعاءات والتحذيرات تصلني يوما بعد يوم.

أبلغت إدارة الصحيفة برفضي، ورغم أن رفضي كان صادقا، إلا أنهم ظنوا أنها محاولة تفاوضية لتحسين الشروط.. لا بأس، فسرعان ما تعقدت أموري وأصبح لزاما علي مغادرة الدولة، عندها انتظرت مكالمة جديدة من الإدارة، وكنت مستعدا وقتها للموافقة على أي شرط، مقابل توفير فرصة الخروج من مصر.

لكن الله أراد أحسن مما أردت، فإذا بموفد الصحيفة يعرض علي مغريات حاسمة، تأشيرة محرر صحفي، وعقد مدته عام واحد، وراتب أعلى من كل الزملاء، وامتيازات أخرى.. ويبدو أن الرجل قد حصل على ضوء أخضر من رئيس المؤسسة بإنهاء التعاقد معي تحت أي شرط.

الحمد لله، سافرت خارج البلاد في رحلة لم يكن المطار طريقها، رحلة لن أنسى تفاصيلها، رغم أنني لن أستطيع أن أحكي تفاصيلها الآن، لكن لعل في الأيام ما يتسع لقصها ذات يوم.


صحيفة تواصل الإلكترونية
نهاية مرحلة البداية



ومع وصولي إلى المملكة، بدأتْ رحلة جديدة من حياتي، رحلة العمل الصحفي الاحترافي، عبر مقر ثابت ونظامية واضحة.. ومعها، اشتعل نهمي الإداري الذي كان يعاني فقرا شديدا.. فكانت رحلة موفقة على صعيد الخبرات بشكل كبير.

بفضل الله، في أقل من ستة أشهر، ترقيت من محرر إلى محرر ديسك قم إلى محرر تقارير إعلام نوعي ثم إلى راصد أخبار ثم إلى مدير فترة.. رحلة هي الأقصر على الإطلاق كما يحكي لي زملاء المؤسسة القدامى.

نجاح تلك الرحلة حتى وقت كتابة تلك السطور يكمن في تحقيق كل أهدافها (بنسبة 95%)، فقد استطعت استعادة جسدي (نزل وزني من 90 كيلو جراما، حتى 65 كيلو جراما)، وكذلك نفسيتي التي انفصلت جزئيا عن القلق الأمني والترقب، لتجد أخيرا فرصة للعودة إلى خططها القديمة.

الحمد لله أيضا، رزقني الله زيارة بيته معتمرا، وزرت مدينة رسول الله.. ورغم أنني لم أدرك الحج (وكان هدفي) لكن لا بأس، فالعمرة رغبة لم أكن أحلم أن أحصِّلها أيضا، فالحمد لله على اختياره.

من الناحية الخبراتية، فإن العمل الإداري والقدرة على إدارة الفريق، هي المهارة الأبرز التي خضتها لأول مرة في سياق مكتبي نظامي، بعيدا عن قيادة فرق الإنترنت.. وزاد وعيي الإداري بشكل كبير، حتى أنني صرت أعتبر الصدام الذي حدث بيني وبين إدارة المؤسسة دليلا على هذا الوعي، فرفضك لسحب صلاحياتك في ذاته من فقه الإدارة الذي كنت أسعى لاكتسابه.


في نهاية عام تواصل..


الآن، أكتب تلك الكلمات وأمامي شهر واحد لانتهاء عقدي بالممكلة، لأتخذ بعدها قرارا سيكون محوريا في حياتي.. أمامي فرص متعددة، كلها تفتح بابا لمجال مختلف، بعضها في مؤسسات إعلامية كبرى، وبعدها في وزارات حكومية نظامية داخل المملكة وخارجها.

القرار الوحيد الذي استقريت عليه هو أنني سأغادر مؤسستي الحالية، لكن إلى أين؟، هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة إن شاء الله، وأسأل الله أن يوفقني للاختيار الصحيح.

دور الإعلام في صناعة العنصرية


كيف يتشكل وعي الناس؟ وكيف يبني العوام تصوراتهم عن الأمور التي يجهلونها؟ هل نقتصر في فهمنا للواقع على ما نعاينه بأنفسنا؟ ولماذا يتخيل الكثير شكل «الشيطان» صاحب الذيل الأحمر الطويل والشوكة الثلاثية؟ من صنع هذا بعقولهم؟ وكيف يصدق الناس -حتى من يعرف أنها كذبة- هذه الكذبة؟


مقالات حرة

شعر وأدب

بحوث

 

كتابات حرة

حياة المدون

مشروع توثيق

ملف البنات

جميع الحقوق محفوظة © 2017 مدونة عمار مطاوع

تصميم: Templateism